الشيخ محمد رشيد رضا
28
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأصل التدبير الخفي المفضي بالممكورية إلى ما لا يحتسب . وقفينا على هذا التعريف ببيان السئ والحسن من المكر وكون الأكثر فيه ان يكون سيئا كالشأن في غيره من الأمور التي يتحرى إخفاؤها ، وفيه أن مكر اللّه تعالى وهو تدبيره الذي يخفى على الناس انما يكون بإقامة سننه وإتمام حكمه ، وكلها خبر في أنفسها وان قصر كثير من الناس في الاستفادة منها بجهلهم وسوء اختيارهم اه والمراد بالجهل ما يتعلق بصفات اللّه تعالى وسننه اغترارا بالظواهر ، كأن يغتر القوي بقوته ، والغني بثروته ، والعالم بعلمه والعابد بعبادته ، فيخطيء تقديره ما قدره اللّه تعالى فيظن أن ما عنده ببقى ، وما يترتب عليه من الآثار في ظنه لا يتخلف ، كما أخطأ الألمان في تقدير قوتهم وقوة من يقاتلهم من الدول فلم يحسبوا أن تكون دولة الولايات المتحدة منهم والمعنى أكان سبب أمنهم إتيان بأسنا بياتا أو ضحى وهم غافلون أنهم أمنوا مكر اللّه بهم باتيانهم من حيث لم يحتسبوا ولم يقدروا ؟ ؟ ان كان الامر كذلك فقد خسروا أنفسهم فإنه لا يأمن مكر اللّه الا القوم الخاسرون . وقد سبق الكلام في خسران النفس في غير هذا الموضع وإذا كان أمن العالم المدبر والصالح المتعبد من مكر اللّه تعالى جهلا يورث الخسر ، فكيف حال من يأمن مكر اللّه وهو مسترسل في معاصيه اتكالا على عفوه ومغفرته ورحمته ؟ قال تعالى ( وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) فأعلم الناس باللّه واعبدهم له وأقربهم اليه هم أبعد خلقه عن الامن من مكره ، إذ لا يصح أن يأمن منه الا من أحاط بعلمه ومشيئته ، وليس هذا الملك مقرب ولا لنبي مرسل ، ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ) ألم تر إلى الرسل الكرام كيف كانوا يستثنون مشيئته حتى فيما عصمهم منه ؟ كقول شعيب الذي حكاه اللّه عنه قبيل هذه الآيات ( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ) وقد كان أصلح البشر وخاتم الرسل ( ص ) يكثر من الدعاء بقوله « يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك » كما ثبت في الصحاح وقد ذكر تعالى ان الراسخين في العلم يدعونه بقوله ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ )